الآلوسي

115

تفسير الآلوسي

أن الأول هو الأوفق لسبب النزول . ورجح الثاني بأنه أوفق بصيغة المبالغة فإنها باعتبار كثرة من فرض التعلق به وهي أتم على الثاني مع ما في ذلك من إبقاء اللفظ على حقيقته ، وكثيراً ما جاء في القرآن نفي ما لا يجوز عليه سبحانه وتعالى وفيه نظر ، نعم لا شبهة في أن المتبادر الثاني وأمر الأوفقية لسبب النزول سهل ، وفي إعادة اسم الرب المعرب عن التبليغ إلى الكمال اللائق مضافاً إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تشريفه صلى الله عليه وسلم والاشعار بعلة الحكم ما لا يخفى ، وقال أبو مسلم . وابن بحر : أول الآية إلى * ( وما بين ذلك ) * من كلام المتقين حين يدخلون الجنة والتنزل فيه من النزول في المكان ، والمعنى وما نحل الجنة ونتخذها منازل إلا بأمر ربك تعالى ولطفه وهو سبحانه مالك الأمور كلها سالفها ومترقبها وحاضرها فما وجدنا وما نجده من لطفه وفضله ، وقوله سبحانه : * ( وما كان ربك نسيا ) * تقرير من جهته تعالى لقوله أي وما كان سبحانه تاركاً لثواب العاملين أو ما كان ناسياً لأعمالهم والثواب عليها حسبما وعد جل وعلا ، وفيه أن حمل التنزل على ما ذكر خلاف الظاهر . وأيضاً مقتضاه بأمر ربنا لأن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم كما في الوجه الأول غير ظاهر إلا أن يكون حكاه الله تعالى على المعنى لأن ربهم وربه واحد ولو حكى على لفظهم لقيل ربنا ، وإنما حكى كذلك ليجعل تمهيداً لما بعده ، وكون ذلك خطاب جماعة المتقين لواحد منهم بعيد وكذا " وما كان ربك نسيا " إذ لم يقل ربهم . وأيضاً لا يوافق ذلك سبب النزول بوجه ، وكأن القائل إنما اختاره ليناسب الكلام ما قبله ويظهر عطفه عليه . وقد تحقق أنا في غنى عن ارتكابه لهذا الغرض . [ بم وقوله تعالى : * ( رَّبُّ السَّمَاواتِ والأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ) * * ( رَبُّ السَّمَاوات والأَرْض وَمَا بَيْنَهُمَا ) * بيان لاستحالة النسيان عليه تعالى فإن من بيده ملكوت السماوات والأرض وما بينهما كيف يتصور أن يحوم حول ساحة عظمته وجلاله الغفلة والنسيان أو ترك وقلاء من اختاره واصطفاه لتبليغ رسالته ، و " رب " خبر مبتدأ محذوف أي هو رب السماوات الخ أو بدل من * ( ربك ) * في قوله تعالى : * ( وما كان ربك نسيا ) * والفاء في قوله سبحانه * ( فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبرْ لعبَادَته ) * لترتيب ما بعدها من موجب الأمرين على ما قبلها من كونه تعالى رب السماوات والأرض وما بينهما ، وقيل : من كونه تعالى غير تارك له عليه الصلاة والسلام أو غير ناس لأعمال العاملين ، والمعنى فحين عرفته تعالى بما ذكر من الربوبية الآلة فاعبده الخ فإن إيجاب معرفته سبحانه كذلك لعبادته مما لا ريب فيه أو حين عرفت أنه عز وجل لا ينساك أو لا ينسى أعمال العاملين فأقبل على عبادته واصطبر على مشاقها ولا تحزن بابطاء الوحي وكلام الكفرة فإنه سبحانه يراقبك ويراعيك ويلطف بك في الدنيا والآخرة . وجوز أبو البقاء أن يكون * ( رب السماوات ) * مبتدأ والخبر * ( فاعبده ) * والفاء زائدة على رأي الأخفش وهو كما رئى . وجوز الزمخشري أن يكون قوله تعالى : * ( وما كان ربك نسيا ) * ( مريم : 64 ) من تتمة كلام المتقين على تقدير أن يكون * ( رب ) * خبر مبتدأ محذوف ولم يجوز ذلك على تقدير الابدال لأنه لا يظهر حينئذ ترتب قوله سبحانه : * ( فاعبده ) * الخ عليه لأنه من كلام الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في الدنيا بلا شك ، وجعله جواب شرط محذوف على تقدير ولما عرفت أحوال أهل الجنة وأقوالهم فأقبل على العمل لا يلائم - كما في الكشف - فصاحة التنزيل للعدول عن السبب الظاهر إلى الخفي ، وتعدية الاصطبار باللام مع أن المعروف تعديته بعلى كما في قوله تعالى : * ( واصطبر ) * عليها لتضمنه